إيمان شريف · ورقة أكاديمية · متاحة في مكتبة كاندكة
لم تكن أولى حكومات السودان المستقل عديمة الطموح. وضعت خطة العشر سنوات الاقتصادية والاجتماعية (1961–1970) أهدافاً للتوسع الزراعي وتطوير الصناعة التحويلية والاستثمار في البنية التحتية والخدمات الاجتماعية، وجسّدت محاولة صادقة لاستخدام الاستقلال لبناء ما منعه الاستعمار. تحلّل هذه الورقة تلك الخطة — تصميمها وتنفيذها المبكر وتخلّيها بحلول عام 1965 — بوصفها مفتاحاً لفهم القيود الهيكلية التي أجهضت كل برنامج تنموي سوداني لاحق.
ما حاولت الخطة تحقيقه
كانت خطة العشر سنوات نظير سوداني للبرامج التنموية التي كانت كوريا الجنوبية وتايوان وماليزيا تنفّذها في نفس الحقبة تقريباً. تضمّنت:
- توسيع مشروع الجزيرة وتطوير مشاريع ري جديدة
- إنشاء صناعات تصنيعية لمعالجة المنتجات الزراعية والمنسوجات ومواد البناء
- تمديد شبكة السكك الحديدية والطرق لربط المناطق الطرفية بالأسواق الوطنية
- الاستثمار في التعليم والصحة والتدريب التقني كأسس لرأس المال البشري
لماذا أُجهضت
اصطدمت الخطة بأربعة قيود متزامنة أعادت تكرارها في كل محاولة تنموية لاحقة:
الهشاشة المالية أمام أسعار السلع الأولية. تراجعت عائدات القطن — المصدر الرئيسي لتمويل الحكومة — بحدّة في مطلع الستينيات مع استيلاء الألياف الصناعية على حصص سوقية. اختفى الغلاف المالي الذي افترضته الخطة قبل اكتمال التنفيذ.
فجوات القدرة المؤسسية. لم تُعدّ الإدارة الاستعمارية المسؤولين السودانيين للمتطلبات التقنية لتصميم السياسة الصناعية وتنفيذها. لم تكن البيروقراطية اللازمة لتنسيق الاستثمار وإسناد العقود وإدارة المؤسسات الحكومية وتقييم الأداء متاحة بالحجم المطلوب.
شروط التمويل الخارجي. ربطت الجهات المانحة الغربية وتفاعل صندوق النقد الدولي الناشئ التمويلَ بشروط قدّمت خدمة الدين والاستقرار النقدي على الاستثمار الإنتاجي — في نموذج مبكر للاشتراطية التي ستُقيّد التخطيط التنموي السوداني خمسين عاماً تالية.
الانقطاع السياسي. أعاد انقلاب أكتوبر 1964 ترتيب المشهد المؤسسي الذي كانت الخطة تعمل في ظله. كما في كل برنامج تنموي سوداني لاحق، أتى التقطّع السياسي على ما بُني من زخم مؤسسي.
النمط المتكرر
ما يجعل هذه الورقة قراءة لا غنى عنها هو إثباتها أن إخفاق خطة العشر سنوات لم يكن حادثة فريدة. بل رسّخ نمطاً — خطة طموحة، وقدرة مؤسسية قاصرة، وصدمة مالية خارجية، واضطراب سياسي، وتخلٍّ — أعاد إنتاج نفسه في خطة السنوات الست 1977، وحقبة التكيّف الهيكلي في الثمانينيات، وبرنامج إصلاح حكومة الفترة الانتقالية بعد 2019 الذي أجهضه انقلاب 2021 ثم حرب 2023.
فهم هذا النمط شرط مسبق لتصميم مقاربة لإعادة الإعمار لا تُعيد إنتاجه من جديد.