يخوض السودان أزمتين تُناقشان عادةً بمعزل إحداهما عن الأخرى، وهما في الحقيقة أزمة واحدة. فمنظومته الكهربائية انهارت جزئياً، واقتصاده عجز عن تحويل نهاية النزاع إلى تنمية مستدامة منذ ما لا يتذكره أحد. فالطاقة الموثوقة شرطٌ لا غنى عنه لإحياء الزراعة وإعادة تشغيل الصناعة وتسيير العيادات والمدارس. أما المؤسسات والتمويل ومناخ الاستثمار اللازمة لبناء تلك المنظومة الكهربائية، فهي نفسها ضحايا العقود ذاتها من النزاع التي حطّمت الاقتصاد. والتعامل مع إعادة إعمار الطاقة كمشروع تقني جانبي، منفصل عن أسئلة الاقتصاد السياسي الأصعب، هو الطريق الذي يقود السودان إلى إعادة بناء المنظومة الهشة ذاتها مرتين.
الأرقام وراء انقطاع الكهرباء
| المؤشر | الرقم |
|---|---|
| القدرة التوليدية المركّبة قبل الحرب | نحو 4.5 غيغاواط |
| نسبة السكان المتصلين بالكهرباء قبل الحرب | نحو 62%، متركزة في الخرطوم |
| القدرة التوليدية المفقودة منذ أبريل 2023 | حتى 40% |
| محطات حرارية عاملة بكامل طاقتها (من أصل 15) | 2 |
| حصة الطاقة المتجددة من المزيج قبل الحرب | نحو 1% |
| التكلفة التقديرية لإعادة الإعمار الوطني | حتى تريليون دولار |
| هدف التوليد على المدى القريب | نحو 6,000 ميغاواط |
| هدف القدرة المركّبة بحلول 2035 | 8.4 غيغاواط (7.5 غيغاواط متصلة بالشبكة) |
حتى قبل الحرب الحالية، كان قطاع الطاقة في السودان هزيلاً: فنحو 60–70% من السكان، معظمهم في مناطق ريفية ومتأثرة بالنزاع، لم يكونوا متصلين بالكهرباء إطلاقاً، بينما استحوذت الخرطوم وحدها على قرابة نصف الإمداد الوطني وظلّت رغم ذلك تعاني انقطاعات منتظمة. وكان استهلاك الفرد من الكهرباء عام 2022 يعادل عُشر المتوسط العالمي. ومنذ ذلك الحين دمّرت الحرب المحوّلات وخطوط النقل ومستودعات الوقود على نطاق دفع بملايين السودانيين إلى مزيد من الظلام.
قاعدة موارد لم يلمسها السودان تقريباً
ما يجعل هذه القصة أكبر من مجرد دمار زمن الحرب هو مدى ضآلة ما طُوِّر فعلياً من ثروة السودان الطاقية الحقيقية. فهذا بلدٌ لا ينقصه المورد.
الطاقة الشمسية هي الحالة الأوضح. فمعدل الإشعاع الشمسي البالغ 5.8–6.8 كيلوواط/ساعة لكل متر مربع يومياً يضع السودان بين أفضل الأراضي الشمسية على وجه الأرض، وتكلفة الطاقة الشمسية المُسوّاة هناك — نحو 0.0376 دولار لكل كيلوواط/ساعة — تقلّ بفارق كبير عن تكلفة التوليد بالديزل. ومع ذلك، لا يتجاوز ما هو مركّب اليوم 10 ميغاواط، مقابل هدف رسمي يبلغ 2,190 ميغاواط من الألواح الشمسية المتصلة بالشبكة بحلول 2035.
طاقة الرياح أكثر تأخراً: فتوربين وحيد بقدرة 0.8 ميغاواط يمثّل كامل القاعدة المركّبة في البلاد، رغم تحديد أربعة مواقع على الأقل صالحة لمزارع رياح بحجم تجاري، وهدفٍ يبلغ 1,550 ميغاواط بحلول 2035.
الطاقة الحرارية الأرضية هي المورد الذي لا يكاد أحد يتحدث عنه. فالسهل الساحلي للبحر الأحمر قرب سواكن يُظهر تدفقاً حرارياً يتراوح بين 85 و130 ميلي واط لكل متر مربع، وتدرجاً حرارياً يصل إلى 81 درجة مئوية لكل كيلومتر، مع ينابيع ساخنة تصل حرارتها إلى 65–85 درجة مئوية — دليل مباشر على تصدّع نشط في قاع البحر الأحمر. وفي دارفور، يحتضن جبل مرة، البركان الوحيد في السودان الذي شهد نشاطاً حديثاً نسبياً، فوهة ديريبا ببحيرتها البركانية وفوهاتها الغازية وينابيعها الساخنة، مع مؤشرات سطحية إضافية عند تلال تقبو وبيدوب وحقل بيوضة البركاني. وأغلب هذه الموارد منخفضة إلى متوسطة الحرارة، وهو ما جعل تقنية البخار الفلاشي القديمة غير مجدية اقتصادياً للاستفادة منها. أما محطات الدورة الثنائية الحديثة فيمكنها التوليد من موارد لا تتجاوز حرارتها 90–180 درجة مئوية — ولهذا فإن خطة الحكومة نفسها، رغم تواضعها، تستهدف 54 ميغاواط من القدرة الحرارية الأرضية بحلول 2030 انطلاقاً من نقطة الصفر.
الطاقة الكهرومائية ما زالت تُورّد نحو 55% من التوليد الحالي عبر سدَّي مروي والروصيرص، لكن موثوقيتها باتت رهينة متزايدة للترسب وتقلّب الأمطار — وهو اعتماد على مصدر واحد لا إجابة طويلة الأمد. أما الطاقة الحيوية، ومعظمها توليد مشترك من صناعة السكر، فهي قطاع ناضج نسبياً بقدرة 199 ميغاواط، تتجه نحو 270 ميغاواط بحلول 2032. وفي أفق أبعد، توجد خطط لـ1,200 ميغاواط من الطاقة النووية بحلول 2030، ومشاريع طاقة مدّية على طول البحر الأحمر قادرة على توليد نحو 1.2 تيراواط/ساعة سنوياً — وكلاهما لن يكون واقعياً إلا بعد توفر شروط التمويل والمؤسسات المذكورة أدناه.
لماذا لا تزال الأنوار مطفأة
لا شيء من هذا مشكلة تقنية في جوهره. فقطاع الكهرباء في السودان احتكار حكومي مركزي تديره الشركة السودانية القابضة للكهرباء، دون إطار قانوني واضح لاتفاقيات شراء الطاقة أو مشاركة القطاع الخاص، ومع تداخل صلاحيات موزّعة بين إدارة الطاقة المتجددة والشركة السودانية لتوليد الطاقة المائية وشركة توزيع الكهرباء. والتعرفات أدنى بكثير من كلفة الاسترداد، ما يحمي المستهلكين على المدى القصير لكنه يُجوّع القطاع من الاستثمار الذي يحتاجه ويضغط العبء على موازنة عامة مُنهَكة أصلاً. كما أن ديناً خارجياً يقارب 58 مليار دولار وسنوات من العقوبات أغلقا معظم أبواب التمويل التي كانت ستتدفق أصلاً نحو هذا النوع بالذات من البنية التحتية.
واستُنزفت القدرات مع رحيل من كانوا يديرون القطاع: فقد هاجر مهندسون وفنيون مؤهلون بحثاً عن فرص أفضل في أماكن أخرى، تاركين المرافق قاصرة عن المهارات اللازمة لتشغيل حتى المنشآت المتجددة القائمة. والإخفاقات موثّقة ومحددة — محطة شمسية بحجم تجاري في دارفور دون الأداء المتوقع بسبب فاقد الشبكة، محطة هجينة كهروضوئية-ديزل في الفاشر تعاني من مشكلات الوقود والتكامل، والتزام وثيقة الدوحة لعام 2011 بكهربة 70 قرية في دارفور بالطاقة الشمسية ظلّ إلى حد كبير دون وفاء بسبب ضعف المتابعة المؤسسية.
ولم يُوزَّع الوصول إلى الكهرباء يوماً وفق الحاجة. فالخرطوم الكبرى تستحوذ على قرابة نصف الإمداد الكهربائي الوطني؛ بينما تبقى دارفور وكردفان والولايات الشرقية، رغم كثافتها السكانية وإنتاجها الزراعي الكبير، خارج الشبكة بنسبة غير متناسبة. وهذا ليس مصادفة جغرافية — بل هو قطاع الكهرباء يُعيد إنتاج النمط ذاته من مركزية المركز وتهميش الأطراف الذي صاغ استثمار البنية التحتية السودانية منذ الحقبة الاستعمارية، وهو تحديداً نوع الإقصاء الذي غذّى الشكوى والنزاع من قبل.
المشكلة الأقدم كامنة تحت الجديدة
عجز السودان عن تحويل إمكاناته الطاقية إلى اكتفاء طاقي هو حالة خاصة من نمط أقدم بكثير: فشل البلاد المتكرر في تحويل نهاية النزاع إلى تنمية تصمد. وتظل ورقة علي عبد القادر علي الصادرة عام 2004 بعنوان حول تحديات التنمية الاقتصادية في سودان ما بعد النزاع — والتي كُتبت في سياق المفاوضات التي أفضت إلى اتفاقية السلام الشامل المنهية للحرب الأهلية الثانية — واحدة من أوضح التشخيصات لسبب ذلك. واستناداً إلى النظرية الاقتصادية لكولير وهوفلر حول الحروب الأهلية، يذهب علي إلى أن الشكوى تمنح التمرد لغته، لكن الجدوى المالية للتمرد هي الأقدر على التنبؤ بما إذا كان النزاع سيندلع فعلاً ويتكرر — وأن المجتمعات الخارجة من حرب أهلية تواجه ضعف خطر الانتكاس تقريباً خلال العقد الأول ما بعد النزاع مقارنةً بخط الأساس قبل النزاع. وقد عاش السودان هذه الإحصائية بحذافيرها: فاتفاقية سلام 2005 أعقبها انفصال جنوب السودان عام 2011، وتجدد القتال في دارفور والمنطقتين، وانقلاب 2021، والحرب الشاملة منذ أبريل 2023.
يحدد علي أربع أولويات لإدارة الاقتصاد في مرحلة ما بعد النزاع: رفع معدل الاستثمار، وإدارة طفرة الإنفاق التي تجلبها إعادة الإعمار حتماً دون إشعال التضخم أو زعزعة العملة، والتعامل مع دور البنك المركزي في ظل نظام مصرفي مزدوج، وبناء شبكات أمان اجتماعي. وبعد عقدين، تقرأ هذه الأولويات وكأنها تشخيص لقطاع الطاقة تحديداً — معدل استثمار أدنى من أن يموّل قدرة توليدية كافية، وبنية تعرفات مدعومة عاجزة عن استيعاب طفرة إنفاق بحجم إعادة الإعمار دون ضغط مالي، وآليات تمويل لم تُبنَ يوماً لتصل بمصداقية إلى دولة هشة. والأرقام الحالية توضح حجم المخاطر: ففي أفضل سيناريو ممكن، وهو تحقق السلام عام 2026، تشير النماذج إلى خسارة تراكمية في الناتج المحلي الإجمالي تبلغ نحو 18.8 مليار دولار بحلول 2043، مع بلوغ الفقر المدقع نحو 60% من السكان — أي نحو 34 مليون شخص — بحلول 2030.
الطاقة بوصفها اختباراً حاسماً
وإذا قُرئ الأدبان معاً، فإنهما يشيران إلى الاتجاه ذاته. فالوصول إلى الطاقة في السودان مسألة حوكمة وإنصاف قبل أن يكون مسألة هندسية، وهو أيضاً اختبار مفيد لما إذا كان السودان ما بعد النزاع قادراً على كسر نمطه الخاص. فبناء موزَّع جغرافياً — طاقة شمسية، وحرارية أرضية لاحقاً، تصل إلى دارفور وكردفان والشرق بدلاً من إعادة التركز في الخرطوم — أكثر مرونة أمام استمرار عدم الاستقرار، وأقدر على معالجة الإقصاء الذي تحوّل مراراً إلى شكوى. وتحويل جزء ولو يسير من نحو 1.3 مليار دولار ينفقها السودان سنوياً على استيراد الوقود نحو الطاقة المتجددة الموزَّعة من شأنه أن يخفف ضغط النقد الأجنبي، ويخلق وظائف ريفية، ويقلّل الاعتماد على وقود الكتلة الحيوية الذي يقود إزالة الغابات — مع الإجابة المباشرة على أسئلة معدل الاستثمار وإدارة الإنفاق التي حددها علي قبل عشرين عاماً.
لا ينقص السودان ضوء الشمس ولا الريح ولا الحرارة في باطن الأرض. ما ينقصه هو المؤسسات والتمويل اللازمان لتحويل أي من ذلك إلى كهرباء — النقص ذاته، في قطاع مختلف، الذي حدّد سجله في مرحلة ما بعد النزاع منذ سبعينيات القرن الماضي. وإصلاح ملف الطاقة هذه المرة لن يعني فقط إبقاء الأنوار مضاءة. بل سيكون دليلاً على أن جولة السلام هذه قادرة على تحقيق ما عجزت عنه الجولات السابقة.
قراءات إضافية — مكتبة كاندكة
- حول تحديات التنمية الاقتصادية في سودان ما بعد النزاع — علي عبد القادر علي، المعهد العربي للتخطيط، 2004. الورقة التي استند إليها هذا المقال في إطار التنمية بعد النزاع.
- تحديث الوضع الاقتصادي في السودان، البنك الدولي، مايو 2025 — أحدث تقييم متاح للكلفة الاقتصادية للحرب، يُقرأ إلى جانب هذا المقال لفهم الصورة الكلية.
- إعادة بناء قطاع الطاقة في السودان: مسارات نحو تعافٍ عادل بعد النزاع — مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، نوفمبر 2025. أوفى عرض متاح لإخفاقات القطاع البنيوية والحوكمية.
- إمكانات الطاقة الشمسية في السودان: كيف يمكن لضوء الشمس أن يعيد بناء أمة — مقال من سلسلة أفكار كاندكة حول الطاقة الشمسية الموزَّعة وما إذا كان بإمكان السودان بناء الصناعة نفسها، لا الألواح فقط.
- أكاديميا ومجلة اقتصاديات التنمية — مستودعان عامّان يستحقان البحث فيهما للاطلاع على مزيد من الأبحاث حول اقتصاد النزاع السوداني والتعافي بعد النزاع.