ورش السكك الحديدية في عطبرة، السودان، عام 2008. تصوير Bertramz (برترامز)، منقولة دون تعديل بموجب ترخيص المشاع الإبداعي — النَّسب 3.0، عبر ويكيميديا كومنز. هذه صورة تاريخية ولا تُظهر الأوضاع الراهنة.
لم تكن المشكلة مجرد غياب الخطة
لا يحتاج السودان إلى اكتشاف فكرة التخطيط للتنمية، بل إلى مواجهة تجربته فيها. فقد وضع خططاً، ودرّب مهنيين، وشيّد بنية أساسية، وأعلن مشروعات للتحول. والسؤال الأصعب هو لماذا لم تتحول الإنجازات المفيدة، في كثير من الأحيان، إلى نظام مستدام وشامل للازدهار.
لا تجيب عن ذلك المفاضلة العاطفية بين الحكومات، ولا الادعاء بأن شيئاً لم يُنجز قط. فقد يولّد سدّ الكهرباء بينما تُوزَّع منافعه وأعباؤه بصورة غير عادلة. وقد توسّع جامعة فرص التعليم وهي تفتقر إلى الكادر الكافي. وقد تموّل طفرة تصديرية البناء من دون إعداد الاقتصاد لفقدان مصدر إيراداته الرئيسي.
ترى كنداكة أن الإخفاق المتكرر يكمن في العجز عن ترسيخ شروط تنمية متماسكة: السلام، والمؤسسات الخاضعة للمساءلة، والتمويل الواقعي، والصيانة، والقدرات الإنتاجية، وعدالة الفرص. فالخطط مهمة، لكن هذه الشروط هي التي تحدد قدرتها على الصمود أمام السياسة.
نبدأ بالميراث، لا بالحنين إليه
يجب تقييم الميراث الاستعماري مع الإقرار بحقيقتين. ورث السودان أصولاً مادية وإدارية مفيدة، لكنه ورث أيضاً اقتصاداً وجغرافيا للاستثمار العام شكّلتهما أغراض استعمارية، لا مبدأ المواطنة المتساوية. ووصف السكك الحديدية والزراعة المروية والخدمة المهنية لا يعني تأييد النظام السياسي الذي أنشأها.
يسأل التقييم الأمين: ماذا كانت تفعل المؤسسة؟ ومن كانت تخدم؟ ومن استُبعد منها؟ فقد ينقل خط سكة حديد الصادرات بكفاءة، بينما لا يربط المجتمعات جيداً بالمدارس والمستشفيات والأسواق الداخلية. وقد يخرّج نظام تعليمي كفاءات ممتازة، لكنه لا يتيح الالتحاق إلا لفئة محدودة.
لذلك كانت المهمة بعد الاستقلال أوسع من الحفاظ على المؤسسات الموروثة. كان المطلوب توسيع نطاقها وتغيير غايتها وبناء قدرات إنتاجية جديدة. وهذا يحتاج إلى إدارة كفؤة واتفاق سياسي على انتماء الجميع إلى المشروع التنموي الوطني. أما الاحتفاء بالميراث من دون فحص الإقصاء فيغفل نصف المهمة.
الاستقلال وعهد عبود: الطموح يحتاج إلى نظام للتنفيذ
ينبغي الحكم على الفترة المدنية الأولى والحكم العسكري الذي أعقبها بالأسئلة نفسها: هل كانت الأولويات واقعية؟ وهل توفرت الموارد؟ وهل تحسنت قدرة المؤسسات؟ وهل توزعت المنافع؟ لا تغني الشرعية الانتخابية ولا سلطة القيادة العسكرية عن هذه الاختبارات.
تذكر دراسة مكتبة الكونغرس أن الخطة العشرية للفترة 1961–1970 اعتُمدت رسمياً في سبتمبر 1962، بعد موعد بدايتها المقرر. لا يفسّر ذلك وحده مصيرها، لكنه يبيّن أن دورة العمل الإداري للخطة لا تقل أهمية عن أهدافها المطبوعة. دراسة السودان، مكتبة الكونغرس.
تحتاج الخطة الجادة إلى أكثر من طموح إجمالي للاستثمار: تصاميم جاهزة، ومشتريات واقعية، ومديرين مؤهلين، وموازنات تشغيل، وآلية تكشف الإخفاق مبكراً. وإلا تحول الهدف إلى وعد تُترك متطلبات تنفيذه العملية لجهة أخرى.
ليس الدرس أن الطموح الوطني كان خطأ، بل أنه كان يحتاج إلى جهاز تنفيذ يتعلّم ويراجع ويشرح قراراته علناً.
ولم تقتصر الطموحات على المنشآت. فقد عرض بيان السودان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 28 سبتمبر 1962 الزراعة والخدمات الاجتماعية والنقل والصناعة بوصفها أجزاء من البرنامج. وكانت الزيادات المعلنة للدخل أهدافاً، لا إنجازات ثبت تحققها لاحقاً. وينبغي أن يحكم هذا التمييز قراءتنا للإعلانات السياسية اليوم أيضاً. محضر الجلسة العامة 1136، الفقرات 30–37.
نميري والفترات الديمقراطية: استمرارية لا حصانة
تثير فترة نميري أسئلة عن الاستثمار بقيادة الدولة، وتبدّل الاتجاه الاقتصادي، والاقتراض، والعلاقة بين السلطة السياسية والمشورة المهنية. ليس الاختبار ما إذا كان ينبغي للدولة أو القطاع الخاص أن يقود دائماً، بل ما إذا كان الترتيب المختار قادراً على الإنجاز وحساب تكاليفه وتصحيح أخطائه.
كان تأميم المصارف في 1970 تحولاً مؤسسياً محدداً. وتسجّل دراسة السودان تشجيع المصارف الأجنبية لاحقاً في 1974. وهذان مثالان على تغيّر الاتجاه، لا على نموذج واحد ثابت طوال الفترة. مكتبة الكونغرس، مناقشة القطاع المصرفي.
وترى كنداكة أن التحولات المفاجئة تصبح أشد ضرراً حين تُضعف الذاكرة المؤسسية اللازمة لتشغيل الأصول القائمة. يجوز لقيادة جديدة إلغاء مشروع ضعيف، لكن عليها شرح الأدلة. أما استبدال المديرين على أساس الولاء لا الكفاءة فيحوّل المؤسسات إلى غنائم بدلاً من أدوات للخدمة العامة.
وتستحق الفترات الديمقراطية النقد أيضاً، لا الإعفاء التلقائي. فمساومات الائتلافات وقِصر الأفق السياسي وصعوبة الخيارات المالية لا تزول مع الحكم التمثيلي. المطلوب إجراءات شفافة لإدارة هذه الخلافات. لكن نقد الأداء المدني لا يبرر الانقلاب؛ فإزالة المساءلة العامة لا تحل المشكلة الاقتصادية الأصلية.
الاستمرارية تعني صون القدرات المفيدة والالتزامات القانونية، لا حماية السياسات الفاشلة إلى الأبد. والإصلاح يعني التصحيح بالأدلة، لا التطهير الذي يعقبه احتفال تدشين جديد.
البشير والترابي: الأصل المفيد ليس نموذجاً تنموياً كاملاً
ينبغي دراسة عهد البشير، بما فيه ارتباطه بحسن الترابي ثم افتراقهما، من خلال المؤسسات والنتائج الفعلية، لا باعتباره برنامجاً ثابتاً. وتتطلب نسبة القرارات إلى أشخاص بعينهم أدلة؛ فالمسؤولية السياسية لا تغني عن تتبّع القرار.
يوضح اقتصاد النفط هذا التمييز. تصف المذكرة الاقتصادية للبنك الدولي أهمية فترة النفط بين 1999 و2011 والحاجة اللاحقة إلى التنويع. والسؤال الأجدى ليس هل كانت بعض المنشآت مبهرة، بل لماذا لم تتحول الوفرة إلى قدرة إنتاجية واسعة بما يكفي. البنك الدولي، تقييم التنويع الاقتصادي.
يجب الاعتراف بالإنجازات الحقيقية متى ثبتت بصورة مستقلة، لكنها لا تلغي القمع والإقصاء والصراع المدمّر. وبالمثل لا تتطلب إدانة نظام سياسي إنكار كل أصل مفيد أُنشئ في عهده. ويشمل الحساب التمويل والصيانة والتهجير والبدائل الضائعة ومن استفاد، لا الحجم الظاهر للمشروع وحده.
وينبغي تناول الفساد بوصفه مشكلة مؤسسية: ضعف المشتريات، وتضارب المصالح غير المعلن، وغياب الجزاء تتيح إساءة الاستخدام. أما الاتهامات المحددة فتحتاج إلى إثبات كلٍّ منها على حدة؛ ولا يحل سرد أسماء الخصوم محل التحقيق.
الانتقال بعد 2019: الفرصة ليست تحولاً مكتملاً
أتاحت المرحلة الانتقالية بعد 2019 فرصة لربط الإصلاح الاقتصادي بالشرعية العامة. وكان بلوغ نقطة القرار في مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون في يونيو 2021 محطة ملموسة. فقد بدأ مساراً لتخفيف الديون، ولم يكن دليلاً على محوها جميعاً. إعلان صندوق النقد والبنك الدولي.
وللإصلاح أيضاً جدول زمني تعيشه الأسر. فالسياسة التي تعد باستقرار لاحق قد تفرض تكاليف فورية على أسر قليلة الحماية. لذلك يحتاج الإصلاح المتماسك فنياً إلى دعم اجتماعي موثوق، وتفسير مفهوم، وآليات للتصحيح. القبول العام جزء من القدرة على التنفيذ، لا حملة إعلامية اختيارية.
ويؤكد تعثر الانتقال السلمي والحرب اللاحقة أن البرنامج التنموي لا ينفصل عن النظام السياسي الذي يموّله ويحميه. فالحرب تعكس اتجاه التنمية: تدمّر الأصول، وتقطع التعليم، وتهجّر العاملين، وتصرف الجهد الإداري من بناء الرخاء المشترك إلى البقاء والإكراه.
وكانت الآثار التمويلية للقطيعة السياسية ملموسة. ففي 27 أكتوبر 2021 أعلن البنك الدولي أنه أوقف الصرف يوم الاثنين السابق وتوقف عن معالجة عمليات جديدة. هذا وصف مؤرّخ لذلك التعطّل، لا ادعاء بأن كل مساعدة لاحقة توقفت. بيان البنك الدولي.
السكك الحديدية والطيران والجامعات: كيف نحافظ على ما نبني؟
لا ينبغي اختزال السكك الحديدية السودانية والخطوط الجوية السودانية في الحنين إلى زمن مضى. فتاريخهما يثير أسئلة عن الصيانة والانضباط التجاري والتزامات الخدمة العامة والإدارة المهنية. ويجب أن تستطيع المؤسسة المستعادة العمل بأمان واستدامة، لا الاكتفاء باسم تاريخي.
في السكك الحديدية، المعيار نقل الركاب والبضائع بتكلفة وخدمة موثوقتين. وفي الطيران، المعيار ملاءمة الخطوط والأسطول والرقابة على السلامة والتمويل لخدمة قابلة للاستمرار. لا يبرر الاعتزاز الوطني دعماً بلا حدود، كما لا يجوز تفكيك قدرة عامة مفيدة من دون دراسة البدائل.
وينطبق المبدأ على التعليم. فزيادة عدد المؤسسات لا تعني تلقائياً زيادة القدرة التعليمية. المختبرات والمكتبات والفنيون وجودة التدريس وعدالة الوصول هي ما يحوّل القيد إلى كفاءة. والاحتفاظ بالكوادر يتطلب فرصاً مهنية ومؤسسات مستقرة، لا مناشدات وطنية وحدها.
يبقى التقييم التاريخي للبنية الأساسية مفيداً لفهم مشكلات القطاعات الموروثة، لكن أرقامه ليست جرداً تشغيلياً راهناً. البنك الدولي، تقييم البنية الأساسية، 2011.
قواعد لا يجوز للخطة المقبلة كسرها
تقترح كنداكة بطاقة تقييم عامة موحدة لكل حكومة: التنفيذ قياساً بالوعود، والتكلفة الكاملة والتمويل، وموثوقية الخدمة بعد الافتتاح، والشمول الإقليمي والاجتماعي، والقدرة المؤسسية، والآثار البيئية وتلك المرتبطة بالصراع. هذه قواعد مقترحة، لا ترتيب رقمي مختلق للعُهود.
على الخطة المقبلة نشر أولويات محدودة ممولة، وتسمية المؤسسات المسؤولة، وحماية موازنات الصيانة، والإبلاغ الصادق عن التأخير. ويجب إتاحة المشتريات والضمانات للتدقيق، وتمكين الرقابة المستقلة من وقف المشروع الضعيف. وينبغي أن تشارك الولايات والمجتمعات خارج العاصمة في تحديد الأولويات، لا أن تتلقى قرارات جاهزة.
والأهم أن تصمد الخطة أمام انتقال قانوني للحكم. وهذا يتطلب مؤسسات تحتفظ بالمعرفة، وإجراءات ديمقراطية تغيّر الاتجاه من دون تدمير النظام نفسه.
خطّط السودان من قبل. وليس الدرس ترك التخطيط أو تكرار احتفالاته، بل جعل التنمية التزاماً عاماً مستمراً: نبني ما تبرره الأدلة، ونصون ما يفيد، ونوزّع الفرص بعدل، ونجعل الإخفاق خاضعاً لمساءلة المواطنين.
