رسم توضيحي مولد باستخدام Leonardo AI ونموذج Lucid Origin. حرم جامعي متخيل، وليس صورة وثائقية.

أبعد من إعادة فتح الحرم الجامعي

إعادة بناء الجامعة ليست مجرد مهمة إنشائية. إنها قرار بشأن من يستطيع الدراسة، ومن يستطيع طرح الأسئلة الصعبة، وأي معرفة تستحق الاهتمام، وكيف ترتبط المؤسسة بالمجتمع الذي يدعمها. وقد يعاد فتح الحرم الجامعي بينما تبقى هذه الأسئلة بلا إجابات.

ينبغي أن يحمل تعافي الجامعات في السودان طموحين متلازمين. فالطلاب والعاملون يحتاجون إلى استمرارية التعليم والأمان ومؤهلات موثوقة. وتحتاج البلاد أيضاً إلى مؤسسات تساعدها على فهم المشكلات العامة وحلها. لا يمكن تأجيل الطموح الأول حتى يتحقق الثاني، لكن ينبغي للثاني أن يوجّه طريقة تحقيق الأول.

تتمثل أطروحة كنداكة في أن الجامعة يجب أن تكون مكاناً للتعلم الرصين ومورداً عاماً للمجتمع في آن واحد. فلا تُختزل في مصنع للشهادات، أو ساحة للتجنيد السياسي، أو مبنى للاستعراض منفصل عن الناس المحيطين به.

ما الذي تضيفه دراسة بشاي، وما سياقها؟

تناولت ليندا س. بشاي في عام 2008 التعليم العالي بوصفه مؤسسة سياسية ومدنية. وربط تقريرها بين ضعف الاستقلال الأكاديمي، والتوسع الذي لا تسنده موارد كافية، والممارسات التعليمية الإقصائية، وبين الصعوبات التي يواجهها القطاع. ودعت إلى تحسين بيئات البحث والتعلم، والتفاعل مع المجتمع، والمشاركة المدنية السلمية. وتعود الدراسة إلى الفترة التالية لاتفاقية السلام الشامل لعام 2005، وقبل استقلال جنوب السودان. بشاي، التقرير الخاص رقم 203 لمعهد الولايات المتحدة للسلام.

هذا التقرير حجة في السياسات العامة مرتبطة بسياقها التاريخي، وليس إحصاءً وطنياً معاصراً للجامعات أو تقييماً سببياً لبرنامج إعادة إعمار. ولا يمكن نقل حديثه عن إمكانات تلك المرحلة إلى عام 2026 بلا تعديل. كما لا يجوز تحويل أحكام عامة عن نظام تعليمي إلى افتراضات عن قدرات كل طالب سوداني أو مواقفه.

والسؤال المؤسسي المفيد الذي يتركه التقرير هو: ما الشروط التي تمكّن الجامعة من الإسهام في مجتمع أكثر انفتاحاً وقدرة؟ والمقترحات الآتية هي إجابة كنداكة عن هذا السؤال، وليست ادعاءً بأن بشاي وضعت خطة جاهزة لظروف اليوم. ويتعلق نقدها لبناء الهوية الوطنية حول العربية بآثاره الإقصائية في المجتمعات غير العربية، لا بقيمة العربية لغةً للمعرفة. كذلك يحذّر تناولها لتوسع التسعينيات من أن زيادة المقاعد لا تضمن تحسن التعليم عندما لا يواكبها توفير الكوادر والموارد.

يبدأ التعافي بالناس واستمرارية التعليم

أفادت اليونسكو في أبريل 2026 بأن نحو 80 في المئة من مؤسسات التعليم العالي في السودان لم تعد تعمل. وهذا تقييم مؤرخ، وليس إحصاءً مستقلاً جرى التحقق منه في أكتوبر. لكنه يوضح لماذا لا يمكن حصر التعافي في التحسينات المعتادة للحرم الجامعي. اليونسكو، 15 أبريل 2026.

تقترح كنداكة البدء بتقييم عملي لاستمرارية التعليم: أي الطلاب يستطيعون مواصلة الدراسة؟ وأي العاملين يستطيعون التدريس؟ وأي السجلات بقيت سليمة؟ وأي البرامج يمكن تشغيلها بأمان؟ وينبغي أن توجّه الإجابات المساعدة من دون معاقبة المؤسسات لمجرد أن قدراتها الإدارية هي الأضعف.

يحتاج الطلاب إلى إجراءات عادلة لإثبات دراستهم السابقة عندما تضيع السجلات. ويجب أن تجمع هذه الإجراءات بين الأدلة البديلة والتقدير المهني والضمانات المضادة للتزوير. فلا ينبغي أن يمحو فقدان وثيقة سنوات من التعلم تلقائياً، لكن المرونة في الطوارئ يجب أن تحمي أيضاً صدقية المؤهلات.

قد يكون التدريس عن بعد جزءاً من استمرارية التعليم، لكنه ليس حلاً تلقائياً. فالبرنامج الذي يفترض توفر الأجهزة والاتصال والكهرباء ومكان هادئ للدراسة قد يقصي تحديداً الطلاب الأكثر تضرراً من الاضطراب. وينبغي تقييم المواد منخفضة الاستهلاك للبيانات، والصيغ الميسّرة لذوي الإعاقة، والمواعيد المرنة، وترتيبات التعلم المشترك الآمن، إلى جانب المحاضرات عبر الإنترنت. ولا يمكن افتراض اكتساب الكفاءة العملية أو السريرية لمجرد حضور فصل افتراضي.

الشمول الإقليمي مبدأ في التشغيل

يجب أن تسأل سياسة الجامعات: من يصل إلى المؤسسة؟ ومن يستمر في الدراسة؟ ومن يكمل تعليماً مفيداً؟ أرقام القبول وحدها لا تجيب عن الأسئلة الثلاثة.

توصي كنداكة بنظام شفاف لدعم الطلاب يأخذ في الاعتبار النزوح والضائقة المالية والإعاقة والمسؤوليات الأسرية والحرمان الإقليمي. ويجب أن يتبع الدعم العوائق المثبتة، لا العلاقات السياسية. وينبغي أن يعرف الطلاب المعايير وأن تتاح لهم وسيلة للاعتراض على الأخطاء من دون التعرض للانتقام.

يجب ألا يتدفق تمويل التعافي حصراً إلى المؤسسات الأقدر على تقديم طلبات مصقولة. فقد تحتاج الجامعات الصغيرة والإقليمية إلى مساعدة في إعداد خطط موثوقة. وينبغي للشراكات أن تقوّي قدراتها، لا أن تجعلها تابعة بصورة دائمة لجامعات أكبر.

ولا يعني ذلك أن تقدم كل مؤسسة كل تخصص. إذ يمكن لنظام منسق أن يتشارك المرافق النادرة والخبرات، مع حماية الطلاب من تكاليف السفر والمعيشة غير المعقولة. وينبغي تقييم قرارات الدمج أو الخدمات المشتركة أو الانتقال المؤقت وفق آثارها في إتاحة التعليم، لا وفق وفوراتها الإدارية الظاهرة وحدها.

بالنسبة إلى النساء، لا يكفي عرض القبول إذا جعل النقل أو السكن أو مسؤوليات الرعاية أو التحرش الحضور غير آمن أو غير عملي. ويجب أن ترصد خطط التعافي موارد لمعالجة هذه العوائق، وأن تشارك النساء في اتخاذ القرارات المتعلقة بها. وينطبق المبدأ نفسه على الطلاب من المجتمعات الإثنية والدينية المهمشة: فلا بد من اختبار المساواة المكتوبة في القواعد على ضوء الوصول الفعلي والمعاملة الواقعية.

استقلال يقترن بالمساءلة

الحرية الأكاديمية والإدارة المسؤولة أمران متكاملان. فالجامعات تحتاج إلى الحماية من التدخل الحزبي، بينما يحتاج الطلاب والجمهور إلى الحماية من القرارات التعسفية والإنفاق الغامض.

تقترح كنداكة شفافية تعيين القيادات، ونشر القواعد الأكاديمية، وإجراءات موثوقة للشكاوى، وتمثيلاً مؤثراً للعاملين والطلاب. ويجب أن تكشف التقارير المالية كيفية توزيع موارد التعافي، وما إذا كانت احتياجات التدريس الأساسية تُلبّى. ولا تعني هذه المقترحات أن جميع الجامعات تفتقر إلى تلك الممارسات؛ فالتقييم المؤسسي يجب أن يميّز بين مواطن القوة القائمة والفجوات الفعلية.

وتحتاج حرية البحث أيضاً إلى ضمانات يومية. يجب أن يستطيع الطالب الاختلاف باحترام من دون تعريض تقييمه الأكاديمي للخطر. ويجب أن يستطيع الباحث نشر نتائج غير مريحة من دون تعديلها لتوافق النتيجة التي يفضلها الممول. وينبغي أن تسري هذه المعايير عبر الانتماءات السياسية والدينية والإقليمية وغيرها.

ولا يجوز أن تتحول سلامة الحرم الجامعي إلى ذريعة عامة لقمع التنظيم السلمي. يجب أن تكون قواعد منع الترهيب والعنف واضحة ومتسقة التطبيق، وأن تصاحبها إجراءات عادلة. وعلى الجامعة أن تقدم نموذجاً لخلاف تحكمه الأدلة والحقوق، لا أن تطالب فقط باختفاء الخلاف.

تعليم معرفة قابلة للسؤال والاستخدام

ينبغي للإصلاح أن يعزّز التمكن من التخصص، لا أن يستبدله بشعارات عن قابلية التوظيف أو المواطنة. يحتاج الطلاب إلى فهم كيفية اختبار الادعاءات وتقييم المصادر وتحديد مواضع عدم اليقين. وهذه العادات مهمة للهندسة والطب بقدر أهميتها للتاريخ والاقتصاد.

يجب أن يُصمم الدعم اللغوي حول التعلم، لا التنافس الرمزي. فالطلاب يستفيدون من عربية أكاديمية قوية، والوصول إلى لغات البحث الدولية، واحترام التنوع اللغوي في السودان. وسيختلف التوازن الملائم باختلاف التخصص واحتياجات الطلاب؛ ولن يحل فرض إجابة موحدة، بلا مواد تعليمية ودعم، المشكلة الأساسية.

ينبغي أن يكافئ التقييم الاستدلال إلى جانب الاستذكار. ويمكن للمشروعات الخاضعة للإشراف، والحجج المكتوبة بعناية، والعروض العملية أن تكشف ما يفهمه الطلاب. لكنها تتطلب وقتاً وموارد من العاملين. وعلى خطط الإصلاح إظهار هذه المتطلبات بوضوح بدلاً من إضافة مسؤوليات إلى معلمين مثقلين بالأعباء من دون دعم.

اجعلوا الخدمة العامة عملاً ملموساً

تكتسب الجامعة صدقية دورها العام من العمل المفيد. وتقترح كنداكة شراكات صغيرة تحت إشراف متخصص، حول أسئلة تحددها المجتمعات نفسها: موثوقية المياه المحلية، أو الإرشاد الزراعي، أو توثيق التراث، أو المعلومات العامة الميسّرة، أو تقييم برنامج اجتماعي.

ينبغي أن تكون لهذه المشروعات مسؤوليات محددة، ومراجعة أخلاقية مناسبة، وحدود واقعية. فلا يصبح الطلاب بدلاء بلا أجر عن العاملين المؤهلين في الخدمات العامة، ولا تصبح المجتمعات مجرد مصادر مريحة للبيانات من دون رأي في استخدامها. ويجب أن تكون المشاركة طوعية، وأن تُعاد النتائج إلى المشاركين في صيغة مفهومة.

يمكن تنظيم التعاون مع السودانيين في المهجر حول التزامات محددة بالتدريس والإشراف والبحث، بدلاً من الشراكات الاحتفالية. والمقياس المناسب هو القدرة التي تبقى لدى المؤسسة السودانية عندما تنتهي الزيارة أو المنحة. وقد يكون الإشراف المشترك والإرشاد المستمر أهم من اتفاق يحظى بدعاية واسعة ولا تتبعه أعمال تذكر.

ولا تكفي مناشدات الوطنية لمواجهة هجرة الكفاءات. تقترح كنداكة جعل بقاء العاملين وعودتهم الطوعية خياراً عملياً، من خلال انتظام الأجور، وظروف العمل الآمنة، والمختبرات القابلة للاستخدام، والأعباء التدريسية المعقولة، ومسارات الترقي الموثوقة. وينبغي أن تكمل مشاركة المهجر عن بعد الاستثمار في الباقين، لا أن تحل محله. وعلى الشراكات مع الصناعة أن تبني الكفاءة التقنية والبحث المستقل، مع ضمانات تحول دون تحكم الممول في النتائج أو تضييق التعليم كله ليخدم احتياجات توظيفه الآنية.

لذلك ينبغي قياس التعافي بالمقررات العاملة، واستمرار الطلاب، وصدقية التقييم، ودعم العاملين، والبحث المفيد؛ لا بعدد المباني المعاد فتحها وحده. والهدف الأوسع هو نظام جامعي يستحق ثقة الجمهور بإظهار الكفاءة والإنصاف والاستقلال.

يحتاج السودان إلى خريجين قادرين على ممارسة مهنهم. ويحتاج أيضاً إلى مؤسسات تستطيع فحص الخيارات الوطنية بلا خوف، والعمل مع المجتمعات بلا استعلاء. وإعادة بناء الجامعات فرصة للسعي إلى الهدفين، شريطة أن يعيد التعافي أكثر من الجدران.