«الخرطوم والنيلان»، نقشٌ من كتاب جورج ميلي «الخرطوم والنيلان الأزرق والأبيض»، الجزء الأول (لندن: كولبرن، 1851)، صورة الواجهة. ملكٌ عام، عن مشروع غوتنبرغ. قُصّ عنوان النقش من الصورة؛ ولم يُطبّق مرشّح لوني أو رمادي. مصدر الصورة.
في أواخر ديسمبر 1850 خرجت أسرةٌ إنجليزية من صحراء بيوضة، وعبرت إلى ملتقى النيلين. وكان ابنها جورج ميلي في العشرين من عمره، يدوّن يوميّاته، فنشرها في لندن في العام التالي بعنوان «الخرطوم والنيلان الأزرق والأبيض». وفي الفصول التي خصّها للمدينة وصفٌ مفصّلٌ مؤرَّخ للخرطوم في أواسط العهد التركي المصري. (ميلي، الفصلان الخامس والسادس)
مدينةٌ من الطين والحدائق
يكتب ميلي أن الخرطوم كانت تبدو من النهر «سورًا طويلًا من الطين»، تطلّ من فوقه مبانٍ قليلة: دواوين الحاكم، ودار الحكومة القديمة، والكنيسة والإرسالية الكاثوليكية. وقدّر عدد بيوتها بنحو ثلاثة آلاف بيت، كلّها تقريبًا من الطين المجفّف بالشمس، بلا شوارع فسيحة، إلا ساحاتٍ متفرّقة هنا وهناك. غير أن البيوت الحسنة كانت تقوم وسط حدائق البرتقال والليمون والموز والرمّان، وكان البيت الذي نزلت فيه أسرته يُطلّ على النيل الأزرق من ضفّةٍ عالية. ويقرّ بأن الحدائق الجميلة والمناخ اللطيف قد يجعلان السكن بين جدران الطين مُرضيًا. (ميلي، الفصلان السادس والسابع)
السكّان والأديان
يقدّر ميلي السكّان بنحو ثلاثين ألفًا، بمن فيهم العسكر؛ وهو تقديرُ رحّالةٍ لا إحصاءٌ رسمي. والمسلمون الأغلبية الساحقة. أما المسيحيون فنحو خمسين، معظمهم مرتبطون بالإرسالية الكاثوليكية، ولها ثلاثة قساوسة وكنيسةٌ ومدرسةٌ صغيرة. واليهود نحو اثني عشر. ويصف الجماعات الثلاث متعايشةً في وئامٍ في الغالب، تعكّره أحيانًا نوباتٌ من التعصّب، ويلاحظ أن الضرائب كانت تُفرض عليها جميعًا بقليلٍ من المحاباة. (ميلي، الفصل السابع)
الأسواق والتجارة
يذكر أن السوق كان أربعة شوارع مسقوفة وأربعة مكشوفة. ففي المسقوفة أفخر الدكاكين، بأقمشة مانشستر المطبوعة، وسكاكين شيفيلد ومقصّاتها، وفخّار ستافوردشاير؛ وفي المكشوفة أكشاك السنامكّي والأشنات والأعشاب. وكان تجّار الخرطوم يصدّرون الصمغ العربي والعفص والسنامكّي وزيت الخروع وكمّياتٍ كبيرة من العاج، تنحدر في النيل إلى بربر، ثم تُحمل على الجمال عبر الصحراء إلى كُرُسكو في مصر. وكان بناء المراكب على النهر نشيطًا، ومعظمها مراكب طويلة مكشوفة من خشب النخيل. (ميلي، الفصل السابع)
الحكمدار و«المنفيّون المكرَّمون»
استقبل الأسرةَ حكمدارُ السودان عبد اللطيف باشا (تولّى الحكمدارية من 1850 إلى 1852)، فوجده ميلي سخيًّا: أنزلهم بيتًا، وأعارهم مركبه الخاصّ، ووعدهم بثلاثين جملًا تنتظرهم في بربر. ولاحظ ميلي كذلك كثرة كبار الموظّفين الموجودين في الخرطوم على غير رغبتهم، فيما سمّاه «منفًى مشرّفًا». ومنهم علي بك حسيب حاكم بربر، وبيومي أفندي، عالم الرياضيات المتخرّج في مدرسة البوليتكنيك في باريس، الذي أُمر بإنشاء مدرسةٍ في الخرطوم مع اثني عشر أستاذًا. فلم يجد ميلي مبنًى للمدرسة ولا تلاميذ، ورأى المشروع كلّه ذريعةً لإبعاد الرجال الأكفاء عن القاهرة. (ميلي، الفصل السادس) ويشمل التاريخ الأوسع لنفي العلماء رفاعة رافع الطهطاوي، الذي تناول تاج السر أحمد حران سنواته في السودان، 1850–1854، في دراسة مستقلة. (حران، 1976)
المطر والحياة اليومية
قيل لميلي إن أسوأ الفصول فصل الأمطار، إذ يأتي المطر فجأةً وبغزارة، حتى إن من زار صديقًا قد يبقى في بيته ثلاثة أيامٍ أو أربعة حتى تنحسر المياه. ويسجّل كذلك معتقداتٍ يومية، كتجنّب النزول إلى النهر في آخر أربعاء من السنة حتى صلاة العصر. (ميلي، الفصل السابع)
قراءة ميلي اليوم
كتب ميلي بعين شابٍّ إنجليزيٍّ من عصره، وفي كتابه أحكامٌ متعالية على من لقيهم وعباراتٌ قاسية عن الدين. كما أن الاستقبال المميّز الذي حظي به لدى الموظفين أثّر في نطاق ما رآه. وتصف نايل بوك ستور طبعتها العربية الجديدة بأنها كاملة، مع حواشٍ تنبّه إلى تلك المواضع وتشرح الأعلام والأماكن والمقاييس. وإذا قُرئت فصوله قراءة نقدية، قدّمت سجلًّا ثمينًا، لكنه جزئي، لحياة الخرطوم في القرن التاسع عشر.
اقرأ الرحلة كاملةً بالعربية: الخرطوم والنيلان الأزرق والأبيض — الجزء الثاني (رحلة السودان) والجزء الأول (مصر والنوبة)، ترجمة مع حواشٍ، في نايل بوك ستور.
المصادر وقراءات إضافية
- جورج ميلي — الجزء الثاني، الفصول الخامس إلى الثامن (نُشر أول مرة سنة 1851؛ والنسخة الرقمية مرتبطة بالطبعة الثانية، 1852).
- جورج ميلي — الجزء الأول، نقش الواجهة «الخرطوم والنيلان» (النقش مؤرّخ سنة 1851).
- تاج السر أحمد حران — «الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي في السودان، 1850–1854»، السودان في رسائل ومدوّنات، المجلد 57 (1976)، ص 1–9.
- عبد اللطيف باشا — مرجع ثانوي لتواريخ ولايته.
- نايل بوك ستور — الترجمة العربية مع الحواشي: الجزء الثاني، رحلة السودان · الجزء الأول، مصر والنوبة.
