مشهد للقبور والأطلال في دنقلا العجوز، 18 مارس 2017. صورة للسياق الأثري؛ لا تعرض رسالة قشقش ولا تحدد بيت المك. تصوير: Hans Birger Nilsen. المصدر · CC BY-SA 2.0. أُعيد تحجيم الصورة وضغطها من دون قص أو تغيير الألوان.

يحتاج ملك إلى من يتسلم نعجة وولدها، وإلى إيصال سلع إلى أصحابها، ويريد إنجاز الأمر سريعاً. على ورقة صغيرة من دنقلا العجوز، تظهر السلطة في سلسلة من التعليمات العملية: تسلّم، وأعطِ، واقبض، وسلّم.

تلك هي القيمة المميزة للوثيقة التي درسها توماش بارانسكي وأرتور أوبووسكي وماجيه فيجغول في مجلة «أزانيا». تنشر دراستهم، التي ظهرت إلكترونياً في 6 فبراير 2026، نص أمر عربي صادر باسم الملك قشقش. والوثيقة، التي استُخرجت في حفريات عام 2021، تتناول مبادلات تشمل منسوجات وماشية. إنها تمنحنا شاهداً وثائقياً يحمل اسم حاكم، وتفتح في الوقت نفسه سؤالاً أقل حضوراً: كيف كانت السلطة الملكية تُمارَس من خلال المعاملات اليومية؟1

غالباً ما نقترب من دنقلا العجوز عبر كنائس المقرة وآثارها الملكية ورسومها المسيحية. وتظل تلك التواريخ مهمة، مثلما يهم تاريخ المدينة التي استمرت بعد تحولات المملكة السياسية في العصور الوسطى. يمنح أمر قشقش دنقلا اللاحقة شاهداً مباشراً نادراً: كتابة خرجت من داخل شبكاتها المحلية، حيث تتصل الأوامر بالالتزامات.

ملك على ورقة صغيرة

يبلغ حجم الورقة الباقية نحو 10.5 سنتيمتر في 9.5 سنتيمتر، وتحمل كتابة على وجهيها. وهي موجهة إلى رجل يدعى خضر. ويقرأ محققو النص اسم حمد بوصفه الكاتب، مع أن العبارة التي تسبق اسمه تحتاج إلى تفسير. تصل سلطة قشقش إلى الورقة بواسطة شخص يكتب، ثم تعتمد على وسيط يستطيع تنفيذ ما كُتب.2

وفق تفسير الباحثين، على خضر أن يتسلم من محمد العرب ثلاث وحدات من سلعة ما، وأن يدبر له نعجة وولدها. ويتعين جمع الحيوانين من مشارك آخر يقرأ المحققون اسمه «عبد الجابر». وتتضمن التعليمات على ظهر الورقة سلعاً تُعطى لهذا الرجل في المقابل. نحن أمام سلسلة مترابطة تضم عدة أشخاص، لا أمام عملية شراء بسيطة بين ملك وبائع.2

لكن بعض التفاصيل لا يزال غامضاً. فاسم السلعة الأولى، الذي ينقله الباحثون بالحروف اللاتينية على صورة ʾRDWYĀT ويظهر في النص المنشور قريباً من «أردويات»، يرجح أن يدل على منسوجات، من دون أن يُحسم معناه الدقيق. وقد تشير عبارة مطموسة على الوجه الآخر إلى أقمشة قطنية ناعمة وسلعة أخرى، أو إلى أغطية رأس قطنية. حسّن التصوير بالأشعة تحت الحمراء إمكان قراءة الموضع، لكنه لم ينهِ الخلاف. لذلك لا يصح تحويله إلى قائمة مؤكدة بملابس البلاط، أو استخراج سعر ثابت لمبادلة القماش بالأغنام.3

أما ما يظهر بثبات أكبر فهو ترتيب العمل: حاكم يصدر تعليمات، وتابع ينسق التسليم، وأشخاص مذكورون بأسمائهم يتناقلون السلع. وصغر المعاملة هو ما يجعل طريقة اشتغال السلطة واضحة.

سلع تحمل وجاهة

يرجح مؤلفو الدراسة فهم هذه المبادلات في إطار علاقات الرعاية وتبادل العطايا. فقد تمنح الهدية المقدمة إلى حاكم اعترافاً أو فرصة أو عوناً مستقبلياً، وقد يحمل ما يمنحه الحاكم مكانة اجتماعية إلى جانب قيمته المادية. ويناقش الباحثون احتمالات أخرى، منها وساطة الملك بين أطراف المعاملة. ولا تثبت الدراسة دوافع المشاركين على نحو قاطع.4

وهذا فرق يستحق الانتباه. فقراءة الأمر بوصفه خبراً عن التجارة وحدها تستبعد ما يمكن أن تحمله السلع من وزن اجتماعي. والجزم بأنه تبادل هدايا ذي طابع احتفالي يحمّل الكلمات أكثر مما تحتمل. القراءة الأجدى تُبقي التعليمات وتفسيرها معاً في مجال النظر: الوثيقة تسجل انتقال أشياء، أما العلاقات السياسية الأوسع فيُعاد بناؤها من السياق والمقارنة.

وكان القماش ملائماً للحركة بين هذه الاستخدامات؛ يُلبس ويُخزن ويُنقل ويُعرض. وتتناول دراسة مستقلة لماغدالينا فوزنياك منسوجات من بيت المك، بينها أقمشة قطنية زرقاء وأخرى ذات نقوش مربعة، لفهم الملبس والتبادل. وحددت أبحاث كيميائية لاحقة، شملت سبع عشرة عينة من طبقات تعود إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر في دنقلا العجوز، عدداً من الأصباغ، وميزت بين أقمشة فُسرت بوصفها منتجات محلية وأخرى مستوردة. تكشف هذه الدراسات عالماً مادياً أغنى مما تسمح مفردات الرسالة الغامضة باستعادته وحدها. لكنها لا تربط قطعة نسيج باقية بعينها بالقماش المذكور في أمر قشقش.5

وتدعو هذه الشواهد مجتمعة إلى تاريخ للسلطة يهتم بالأيدي والمهارات الكامنة وراء الأشياء ذات المكانة. فلم يصل القماش إلى يد الملك بلا عمل. وكانت حياته السياسية تعتمد على صناعته ونقله والتعرف إلى قيمته، مثلما تعتمد على الأوامر الملكية.

البيت وما انتهى إلى النفايات

عُثر على الأمر في المبنى A.1، وهو مجمع سكني كبير داخل قلعة دنقلا العجوز، تربطه الرواية المحلية بالمك، أي الحاكم. ومن لُقاه منسوجات وخاتم ذهبي وأشياء أخرى تدعم نسبته إلى نخبة المدينة. وتضيف الوثيقة العربية وزناً إلى صلته ببيت ملكي، لكن حجة الباحثين تجمع أنواعاً متعددة من الأدلة؛ فلا يُعامل الاسم المتداول للمبنى بوصفه برهاناً كافياً بمفرده.6

استُخرجت الورقة من طبقة نفايات في الغرفة U128. وجاءت من الغرفة سبع وثائق ضمن مجموعة أكبر تضم ثلاثاً وعشرين وثيقة ورقية عُثر عليها في البيت بين عامي 2019 و2021. ويحذر الباحثون من تسمية مجموعة الغرفة «أرشيفاً» بالمعنى الدقيق لدراسة الوثائق، لأنها ليست متماسكة بما يكفي. فالأوراق التي انتهت إلى موضع واحد لا يلزم أن تكون قد كُتبت معاً أو احتُفظ بها للسبب نفسه.6

ويعقّد ذلك مسألة التأريخ أيضاً. فالأمر لا يحمل تاريخاً. وتساعد عملات عُثر عليها فوق أرضية أقدم في إثبات أن الأوراق دخلت الترسبات التي تعلوها بعد مطلع القرن السابع عشر. ويرجح تحليل الكربون المشع لمادة عضوية مرتبطة بالنفايات زمناً لاحقاً يعود إلى القرن الثامن عشر. ولا يؤرخ أي من الدليلين كتابة الأمر مباشرة. وبمقارنة اسم الحاكم بالروايات التاريخية، يضع الباحثون زمن تأليفه، على الأرجح، في أواخر القرن السادس عشر أو أوائل القرن السابع عشر.7

فالكتابة والاحتفاظ وإعادة الاستخدام والتخلص من الورقة لحظات مختلفة في حياتها. ولا نعرف لماذا بقيت هذه الورقة قبل أن تنتهي إلى موضع التخلص منها. ولا يمكن اختزال تاريخها في عمر الطبقة التي حفظتها.

اسم بين الوثيقة والذاكرة

كان قشقش معروفاً قبل هذه الدراسة من خلال روايات لاحقة، لا من وثيقة معاصرة تحمل اسمه. ويقارنه الباحثون بكشكش الوارد في «كتاب الطبقات» لود ضيف الله، وهو مجموعة من تراجم الشخصيات الدينية جُمعت من روايات شفوية قرب نهاية عصر الفونج. وتحفظ تلك الروايات علاقات تاريخية مهمة، إلى جانب عناصر من أدب المناقب والكرامات.8

ويرجح المؤلفون أن الاسمين يعودان إلى الحاكم نفسه، مع تصريحهم بأن احتمال حمل أكثر من حاكم لهذا الاسم لا يمكن استبعاده تماماً. وهكذا يقدم الأمر دليلاً مباشراً على ملك يدعى قشقش، ويقوّي التعرف إلى شخصية تاريخية. لكنه لا يثبت، بصورة مستقلة، كل نسب أو واقعة أو كرامة في الأخبار اللاحقة.

ولا ينبغي أن تدخل الذاكرة المحلية إلى القصة فقط عندما تبدو الحفريات وكأنها تصدّقها. فقد ساعد ربط المبنى A.1 بالملك في صياغة سؤال يستطيع علم الآثار بحثه. ويشدد عرض جامعة وارسو للبحث على تبادل المعرفة مع سكان المنطقة، الذين لا تزال ذاكرة الحاكم حاضرة بينهم. ويمكن جمع الوثيقة والأثر والرواية الحية في حوار، من دون افتراض أنها تجيب جميعاً عن الأسئلة نفسها.9

كتابة عربية ومجتمع متعدد اللغات

يشهد الأمر كذلك على استخدام العربية في تسيير شؤون الحكم. وتبتعد بعض صيغ الكتابة والنحو فيه عن العربية الفصحى. ويناقش الباحثون احتمال كونه ملاحظة عملية أو مسودة، لا وثيقة عامة مصقولة. ولا ينبغي تحويل هذه السمات إلى قصة عن مجتمع عاجز عن التواصل؛ فالنص الباقي نقل تعليمات وأسماء والتزامات.10

لكنه لا يخبرنا باللغة التي كان الجميع يتحدثون بها. ويميز المؤلفون بين التواصل المكتوب بالعربية والكلام اليومي، ويشيرون إلى استمرار اللغات النوبية. ولا يمكن أن نقيس من رسالة ملكية واحدة انتشار القراءة والكتابة بين السكان، أو نحدد لغة كل بيت، أو نعلن لحظة واحدة حلت فيها العربية محل النوبية. فقد سارت التحولات الدينية وممارسات الكتابة واللغات المنطوقة في مسارات متصلة، لكنها متفاوتة.

لعل أكثر ما يكشفه أمر قشقش هو ضيق غرضه المباشر. إنه يحدد مهمة لأشخاص بعينهم، ويحفظ بذلك اعتماد الحكم على كُتّاب ووسطاء وعلاقات تحتاج إلى رعاية مستمرة. يصبح تاريخ دنقلا العجوز المتأخر أوضح حين نتتبع هذه الصلات: حاكم يصدر أمراً، وكاتب يجعله قابلاً للانتقال، وسلع تربط حركتها الموارد المادية بالمكانة الاجتماعية.

من مقالات كاندكة ذات الصلة

يتناول مقال كرانوج وقاعة عرش دنقلا مبنى آخر وتاريخاً معمارياً أقدم. ويقدم مقال سلطنة الفونج سياقاً إقليمياً أوسع.

المصادر والهوامش

قُرئت الدراسة الأساسية في نصها الكامل الذي أتاحه أحد مؤلفيها علناً، ويحمل ترخيص المشاع الإبداعي CC BY 4.0. يقدم هذا المقال قراءة أصلية للبحث المنشور، ولا يقدم تحقيقاً جديداً أو قراءة مستقلة للمخطوط. تشير أرقام صفحات الدراسة إلى نص النشر الإلكتروني الأول المكون من 26 صفحة.


  1. Tomasz Barański, Artur Obłuski and Maciej Wyżgoł، The King of Nubia at work: archaeological context and text edition of a sixteenth/seventeenth-century Arabic document from Old Dongola، Azania، نشر إلكتروني في 6 فبراير 2026، الملخص والمقدمة؛ النص الكامل الذي أتاحه المؤلف. ويحدد عرض جامعة وارسو للبحث العمل الميداني بعام 2021. ↩︎

  2. Barański, Obłuski and Wyżgoł (2026)، ص 11–14، النص المحقق والترجمة والتعليق. يتبع عرض المعاملة تفسيرهم؛ ولا تحسم هذه المقالة قراءات المخطوط بصورة مستقلة. ↩︎ ↩︎

  3. الدراسة نفسها، ص 15–16، مادتا ʾRDWYĀT وmandūf (wa?) al-raʾs. لا يزال تحديد السلع وبعض مواضع القراءة غير مؤكد. ↩︎

  4. الدراسة نفسها، ص 18–19، مناقشة الرعاية الملكية وتبادل العطايا والتفسيرات البديلة. الدوافع والوظائف الرسمية المقترحة فرضيات، وليست تصريحات صريحة في الأمر. ↩︎

  5. Magdalena M. Woźniak، Textile material from Old Dongola: preliminary observations on trade and sartorial practices in the Ottoman period، Polish Archaeology in the Mediterranean، 29/2 (2020)، ملخص المجلة؛ Magdalena M. Wozniak, Bartłomiej Witkowski, Tomasz Gierczak and Magdalena Biesaga، First dye identification analyses conducted on textiles from Old Dongola (Sudan, 17th–18th centuries CE)، Archaeometry، 66/2 (2024)، ص 406–424، الملخص والمقدمة والخاتمة، ونشرت إلكترونياً أول مرة في 23 أكتوبر 2023. توفر دراسات النسيج سياقاً مستقلاً، ولا تحدد قطعاً بعينها وردت في الرسالة. ↩︎

  6. Barański, Obłuski and Wyżgoł (2026)، ص 9–10 و17–18، السياق الأثري وتفسير المبنى A.1. ↩︎ ↩︎

  7. الدراسة نفسها، ص 10–11 و17، تأريخ الترسب والتقدير التاريخي لزمن الكتابة. يتعلق تحليل الكربون المشع بمادة عضوية مرتبطة بالسياق، وليس بفحص مباشر لورق الوثيقة. ↩︎

  8. الدراسة نفسها، ص 7 و14 و17، تناول «الطبقات» وصيغ الاسم والتحفظ على المطابقة والتأريخ. يُناقش المصدر الأدبي الأقدم من خلال دراسة المؤلفين؛ ولم تُجرَ مقابلة جديدة لطبعاته من أجل هذه المسودة. ↩︎

  9. جامعة وارسو، The existence of the king confirmed by the UW researchers، 16 مارس 2026. يمثل الخبر المؤسسي رواية فريق البحث؛ ولا يوفر توثيقاً مستقلاً لدعاوى النسب. ↩︎

  10. Barański, Obłuski and Wyżgoł (2026)، ص 13–14 و19–20، ممارسات الكاتب واحتمال كون النص مسودة والتحول اللغوي. لا يمكن استنتاج مدى انتشار العربية المنطوقة مباشرة من هذه الوثيقة الواحدة. ↩︎