السودان: ثالث أكبر منتج للذهب في أفريقيا — ومعظم العائد يذهب لغيره

يُعدّ السودان من أكبر منتجي الذهب في أفريقيا. قبيل حرب 2023، تجاوزت صادراته الرسمية أربعين طناً سنوياً، فيما قُدِّرت التجارة غير المُصرَّح بها بأضعاف ذلك. وتمتلك البلاد احتياطيات معتبرة من الكروميت وخام الحديد والنحاس والزنك والمنغنيز واليورانيوم وسواها من المعادن ذات الأهمية التجارية. فالسودان من حيث ثروته الجيولوجية ليس دولة فقيرة.

غير أن شيئاً من هذه الثروة لم يتحوّل فعلياً إلى تنمية. يُستخرج الذهب — معظمه بصورة غير مشروعة — وينتقل عبر الإمارات إلى الأسواق الدولية دون أن يعود على السودان إلا بالفتات الذي يناله العمال في ظروف بالغة الخطورة. أما عمليات المعالجة والتكرير والتداول والخدمات اللوجستية والتمويل التي تُولِّد الجزء الأكبر من القيمة المضافة في سلسلة التعدين، فتجري جميعها في الخارج.

هذه هي المشكلة الجوهرية، وحلّها لا يكمن في سنّ لوائح أفضل وحسب؛ بل يستوجب بناء قطاع تعديني سوداني بعمق مؤسسي حقيقي قادر على استيعاب القيمة — لا مجرد استنزاف باطن الأرض.

ما يكتنز باطن السودان

رصدت الدراسات الجيولوجية التي أُجريت منذ الاستقلال، وما أنجزته هيئة البحوث الجيولوجية السودانية، ثروةً معدنية تمتد عبر معظم أرجاء البلاد.

الذهب هو المورد الأبرز. يحتوي الدرع النوبي — الصخور ما قبل الكمبرية العريقة الممتدة عبر شمال شرق السودان إلى إريتريا وإثيوبيا — على من أعلى تركيزات التمعدن الذهبي في أفريقيا. منطقة جبل عامر في شمال دارفور، وحزام أريب في ولاية البحر الأحمر، ومنطقة جبيت: جميعها تنتج الذهب منذ قرون. وقد توسّع قطاع التعدين التقليدي الذي يضم مئات الآلاف من صغار المعدنين توسعاً حاداً منذ عام 2012. المشكلة ليست في إيجاد الذهب؛ المشكلة في من يقبض على القيمة عند استخراجه.

الكروميت ثاني أهم الموارد المعدنية تجارياً. تحتوي تلال الإنجسنا في ولاية النيل الأزرق على رواسب كروميت تُصنَّف في عداد الأضخم في أفريقيا. والكروم مدخل حيوي في صناعة الفولاذ المقاوم للصدأ التي تشهد طلباً عالمياً مستداماً. صدّر السودان خام الكروميت، لكنه لم ينتقل قط إلى إنتاج الفيروكروم — الخطوة التحويلية الأولى التي تضاعف قيمة الخام أضعافاً.

خام الحديد موجود في مناطق عدة، أبرزها منطقة فودكوان. وبالحجم الكافي، قد يسند صناعة صلب محلية تُمثّل اللبنة الصناعية الأولى للبناء والهندسة والتصنيع عبر الاقتصاد. والسودان يستورد حالياً شبه كل حاجته من الفولاذ.

اليورانيوم رصدت هيئة البحوث الجيولوجية رواسبه في مناطق من بينها حفرة النحاس وأجزاء من دارفور وتلال البحر الأحمر، وهي لم تُستثمَر تجارياً حتى الآن لكنها تُمثّل موارد استراتيجية بعيدة المدى.

الصورة متسقة: حدّد السودان الموارد لكنه لم يبنِ البنية التحتية والمؤسسات والطاقة الصناعية اللازمة للتعامل مع هذه الثروة بصورة ذات معنى تتجاوز استخراج الخام الخام.

القطاع الذهبي: درس في الفرص الضائعة

يُجسّد قطاع الذهب السوداني المشكلة البنيوية بجلاء تام. فقد اتسع التعدين الحرفي وصغير الحجم منذ منتصف العقد الثاني من هذا القرن ليشمل ما يُقدَّر بمليون إلى مليوني شخص، مما يجعله من أكبر قطاعات التوظيف في السودان. هذا النشاط موزع وغير رسمي إلى حد بعيد، وممتد عبر عشرات المواقع من شمال كردفان إلى تلال البحر الأحمر.

يسلك الذهب المُنتَج مساراً عبر شبكة من التجار والموحّدين والمصدّرين — كثيرون منهم على صلة بشبكات نافذة سياسياً — ليصل في معظمه إلى الإمارات. وقد غدت دبي أكبر مراكز تداول الذهب في العالم جزئياً بسبب استعدادها لاستقبال ذهب من مصادر لن تقبلها الأسواق الخاضعة للتنظيم الغربي. ودرج ذهب السودان — بما فيه ما يُستخرج ويُتداول بالمخالفة للعقوبات ودون توثيق سليم — على إيجاد مشترٍ جاهز هناك.

رصد تقرير منظمة “غلوبال ويتنس” وباحثون آخرون آلية عمل هذا النظام والمستفيدين منه. الخلاصة المختصرة: يكسب المعدنون دخلاً يكاد يكون على مستوى الكفاف، وتُحصّل الدولة إيرادات محدودة لأن الإعلان والضرائب يُتحايَل عليهما، فيما تستولي النخبة السياسية والتجارية على الريع من التداول وتراخيص التصدير والخدمات اللوجستية. وكانت ثورة 2019 في جزء منها استجابةً لهذا النوع بالذات من الاستنزاف — ثروة تُولَّد في السودان، تُحتجز من قِبَل قلة ضيقة، وتُصدَّر إلى الخارج.

كيف يبدو المسار البديل

نموذج الاستخراج — نحفر الخام الخام ونصدّره ونستورد المنتج المعالج بتكلفة أعلى بكثير — ليس قدراً محتوماً. فقد انتقلت دول منه، وإن استلزم ذلك سياسات متعمدة واستثمارات مؤسسية على مدى سنوات وعقود.

الخطوة الأولى: الشفافية وتحصيل العائدات. لا يستطيع السودان بناء قطاع تعدين دون أن يعرف ما يُستخرج ومن يستخرجه. سجل معادن موثوق، وإعلان إلزامي لإنتاج التعدين الحرفي واختبار جودته، ومنظومة منح تراخيص شفافة — هذه هي الأساس. وهي لا تستلزم تقنيات معقدة، فهي قائمة في غانا وتنزانيا وعشرات الدول الأفريقية الأخرى. تحتاج فقط إلى إرادة سياسية مستعدة للتصدي لمصالح المستفيدين من الغموض.

الخطوة الثانية: التحويل المحلي. الخام الخام يساوي جزءاً بسيطاً مما يساويه بعد التحويل. الكروميت المصهور إلى فيروكروم يساوي ثلاثة إلى خمسة أمثال الخام. الذهب المكرَّر وفق معايير سوق لندن للسبائك يُحقق علاوة سعرية ملموسة على الذهب غير المكرر. ويمكن للسودان إنشاء مصفاة وطنية — فعلت ذلك عدة دول أفريقية للذهب — وربط تصدير الذهب غير المكرر من التعدين الحرفي بالبيع للمصفاة بسعر معتمد. هذا يُبقي هامش التكرير في السودان ويوفر إمكانية التتبع التي يطلبها المشترون الدوليون الشرعيون.

الخطوة الثالثة: الربط بالصناعة المحلية. خام الحديد الذي يُغذّي مصنع صلب سودانياً أجدى للاقتصاد من خام الحديد المُصدَّر ثم المُعاد استيراده فولاذاً بنائياً لمشاريع الإنشاء. لكن هذا الربط لا يحدث تلقائياً؛ يستلزم وجود صناعة صلب فعلية — وهي إلى حد بعيد غير موجودة حالياً — وبيئة تنظيمية تُحفّز التوريد المحلي على التصدير. هذا هدف أمدٍ أطول، من خمس إلى خمس عشرة سنة، لكنه يبدأ بالقرار باعتبار المعادن مدخلات لاقتصاد صناعي لا مجرد صادرات.

الخطوة الرابعة: التدريب والمحتوى المحلي. المهارات التقنية للتعدين الحديث — الجيولوجيا والحفر وعلم المعادن وهندسة المناجم وإدارة السلامة — يمكن بناؤها في الجامعات والمعاهد الفنية السودانية. وثمة مهندسون سودانيون يعملون في قطاعات التعدين عبر أفريقيا والخليج. ستُبدأ المرحلة الانتقالية من دولة تستضيف التعدين إلى دولة تمتلك صناعة تعدين بسياسة محتوى محلي صادقة في اتفاقيات الامتياز، وباستثمار حقيقي في تعليم الجيولوجيا وهندسة التعدين.


للمزيد — مكتبة كنداكة