لم تكن الخرطوم مدينةً جميلة. عقود من الإهمال والانتشار العشوائي وإخفاقات الحوكمة أفرزت عاصمةً تعاني شُحَّ المياه وانقطاع الكهرباء واكتظاظ الطرق وقصور الصرف الصحي وتأخر الإسكان خلف النمو السكاني المتسارع. وقد وثّقت الدراسات التخطيطية قبل الحرب هذه المعضلات بالتفصيل. ثم جاءت الحرب فجعلت كل شيء أسوأ بمراحل.
ما فعلته الحرب الحضرية بالخرطوم — وبأم درمان وبحري والمنطقة الحضرية الكبرى التي تؤوي ما بين ثمانية وعشرة ملايين نسمة — لا يزال يُحصى. لكن الحجم واضح: أحياء سكنية مدمرة، ومبانٍ عامة منهوبة، ومرافق خدمات مشتتة، ومركز الأعمال ساحةَ قتال، ومستشفيات نُهبت وقُصفت، وأحياء كاملة من أم درمان حُوِّلت إلى ركام. والتشريد الذي نجم عن ذلك هو الأكبر في التاريخ السوداني.
حين تنتهي الحرب ويبدأ الإعمار، ستُوجَد ضغوط للبناء بسرعة — لاستعادة ما كان. وهذا الضغط ينبغي أن يُقاوَم، ليس لأن السرعة غير مهمة، بل لأن “ما كان” كان بحد ذاته إخفاقاً. فرصة إعادة بناء الخرطوم هي أيضاً فرصة بنائها على نحو أفضل. ولن تتكرر هذه الفرصة.
أين أخطأت الخرطوم
تراكمت في المدينة قبل الحرب إخفاقات لا بد أن تواجهها أي خطة إعمار بصراحة.
الانتشار العشوائي ابتلع المنطقة الحضرية. تضاعف سكان الخرطوم ثلاث مرات بين عامَي 1980 و2010، غير أن المنظومة التخطيطية الرسمية لم تواكب ذلك قط. استوطنت مستوطنات غير رسمية — بعضها مجتمعات راسخة، وبعضها وافدون حديثو العهد — أراضي دون حيازة قانونية أو خدمات أو ارتباط بالحياة الاقتصادية للمدينة. أراد مخطط 2008 الرئيسي معالجة ذلك، غير أنه لم يُنفَّذ بالحجم المطلوب.
النقل كان من أشد الإخفاقات وطأة. صُمِّمت المدينة حول السيارة الخاصة، لكن معظم السكان لم يكونوا يملكونها. كانت المواصلات العامة فوضى من خطوط مينيباص غير رسمية متداخلة دون شبكة متكاملة أو أسعار ثابتة أو موثوقية. ونوقش مراراً مشروع قطار سماء الخرطوم — مفهوم مترو معلق/قطار خفيف — دون أن يُبنى قط. والنتيجة مدينة تستنزف قدراً هائلاً من وقت ساكنيها وطاقتهم في التنقل، يتحمل أغلب تكلفته الاقتصادية من لا يقدرون على ذلك.
المياه والصرف الصحي لم يصلا إلى المدينة كلها. محطات معالجة مياه بحري كانت المصدر الرئيسي للمنطقة الحضرية، تدعمها المياه الجوفية وبائعو المياه بأسعار مرتفعة في المناطق المحرومة. وأجزاء واسعة من أطراف الحضر لا تصلها شبكة صرف صحي أصلاً، وتعتمد على الحفر الامتصاصية والتصريف غير المشروع في النيل.
الإسكان كان عجزه مزمناً. شيّدت الحكومة مساكن للطبقة الوسطى وفوق الوسطى. وكان غالبية السكان يقيمون في مساكن غير رسمية دون مستوى المطلوب، في مستوطنات تتراوح بين أحياء راسخة ذات مجتمعات فاعلة ومخيمات هشة لا تنعم بأي من خدمات المدينة.
الواجهة النهرية كانت ربما الفرصة الأشد إهداراً. الخرطوم تقع عند ملتقى النيلين الأزرق والأبيض — واحدة من أعظم الواجهات النهرية الحضرية في العالم. بدلاً من حدائق ومشايات ومؤسسات ثقافية ومناطق عامة، ظلت الضفتان حبيسة أندية خاصة ومنشآت عسكرية ومجمعات حكومية وأراضٍ مهملة. أُغلق النهر فعلياً في وجه معظم سكان المدينة.
ما يجب أن يكون مختلفاً في الإعمار
لا يُمثّل إعمار الخرطوم تحدياً تقنياً أو مالياً فحسب؛ بل هو خيار سياسي بشأن طراز المدينة الذي يريده السودان، ولمن تُبنى.
الأرض والحيازة أولاً. سيكون أهم قرار في إعمار الخرطوم ما يُقرَّر بشأن الأرض. مئات الآلاف من العائلات المهجّرة لها حق العودة إلى أحيائها. سجلات الملكية منقوصة أو مدمرة. وستسعى المصالح العسكرية والتجارية إلى الاستفادة من فوضى الإعمار للاستحواذ على الأراضي بأسعار منخفضة أو بالنفوذ السياسي. ضبط حيازة الأراضي — بإرساء إجراءات شفافة وعادلة وواضحة للعودة وتسجيل الملكية — هو الأساس الذي يرتكز عليه كل شيء. دونه لن يُثمر الإعمار إلا إثراء الأقوياء وتهجير الفقراء.
التخطيط للمدينة القائمة، لا للمدينة التي يتمناها أحدهم. تصوّرت مخططات الخرطوم السابقة للحرب باستمرار مدينةً أكثر رسميةً وأرحب مساحةً وأقل كثافة مما هو قائم فعلاً. طُويت المستوطنات غير الرسمية بجرّة قلم فوق ورق بينما كانت تواصل نموها على أرض الواقع. يجب أن يتقبّل مخطط الإعمار كثافة الخرطوم وطابعها غير الرسمي كمُعطى، ويتعامل معها: رفع مستوى الأحياء القائمة ما أمكن، وتقديم الخدمات للمجتمعات في مواقعها، وتقنين الحيازة عوضاً عن الجرف بحجة مشاريع كبرى.
بناء منظومة النقل العام الآن. نافذة بناء بنية تحتية للنقل الجماعي في مدينة تحت الإعمار نافذة فريدة من نوعها. حين يجب إعادة بناء الطرق والأحياء على أي حال، يكون إدراج ممرات السكك الحديدية والحافلات السريعة ومحطات النقل المتكامل أقل تكلفة بكثير من إضافتها لاحقاً على مدينة تعمل بكامل طاقتها. الطبوغرافيا الخرطومية — المستطيلة والممتدة على ضفاف النيل — ملائمة للشبكات القائمة على المحور. الدراسات موجودة، والتصورات مُعدَّة؛ مرحلة الإعمار هي حين يجب البناء.
فتح الواجهة النهرية. ينبغي أن تصبح واجهتا النيل الأزرق والأبيض الفضاءين العامين الرئيسيين في الخرطوم. حديقة خطية على النيل الأزرق من بحري إلى ملتقى النيلين؛ كورنيش عام على النيل الأبيض؛ مواصلات نهرية بين المدن الثلاث. هذا ليس ترفاً — بل هو أعلى بنية تحتية عامة قيمةً قد تُشيّدها الخرطوم من حيث جودة الحياة والنشاط الاقتصادي والهوية الحضرية. كما لا يستلزم تهجير أحد، لأن معظم الواجهة النهرية كانت تشغلها مؤسسات لا سكان.
لامركزية وظائف العاصمة. التمركز الشديد للحكومة والخدمات والتجارة والفرص في الخرطوم هو نفسه أحد عوامل خلل المدينة. استراتيجية إعمار لا تعيد بناء الخرطوم إلا دون الاستثمار في المدن الإقليمية ستُعيد إنتاج ضغط الهجرة الذي أربك العاصمة في الأصل. الاستثمار المتعمد في المدن الثانوية — عطبرة وبورتسودان والأبيض وكسلا ومدني — يُخفّف الضغط على الخرطوم ويبني اقتصاداً وطنياً أكثر توازناً.
للمزيد — مكتبة كنداكة
- منطقة الخرطوم الحضرية: دراسة في التخطيط العمراني — دراسة تقنية لتحديات التخطيط العمراني في الخرطوم وأنماط نموها.
- نحو رؤية بيئية حساسة لتطوير الخرطوم الكبرى — إطار تخطيط عمراني للتنمية المستدامة للخرطوم.
- ما وراء الشاطئ: رؤية بديلة مستدامة لتطوير واجهة الخرطوم النهرية — مقترحات تصميمية لفتح ضفاف الخرطوم النيلية للاستخدام العام.
- دراسات القطاع الحضري وبناء القدرات — تقييم تفصيلي للعجز في الخدمات الحضرية عبر المنطقة الحضرية الكبرى للخرطوم.