الخرطومكوستيالخرطوم إلى كوستي: 320 كم من النيل الصالح للملاحة — الشحن النهري أرخص ثلاث مرات من الطريق البري

يدخل النيل السودان قرب وادي حلفا في الشمال ويجري جنوباً عبر دنقلا والخرطوم وكوستي ورنك قبل أن يتجاوز الحدود نحو جنوب السودان — رحلة تمتد قرابة 1850 كيلومتراً. وعلى طول معظم هذا المسار يتدفق النهر واسعاً عميقاً صالحاً للملاحة. يمر بقلب المناطق الزراعية في البلاد، ويربط أكبر مدنها، ويصل إلى تجمعات سكانية لم تبلغها يوماً البنية التحتية للطرق بشكل موثوق.

يمر بمركز السودان واحد من أعظم الطرق الطبيعية في العالم. وطوال معظم تاريخه الحديث، ظل هذا الطريق مهجوراً فعلياً من حيث نقل البضائع.

وهذا من أكثر إخفاقات التخطيط التنموي في السودان إثارةً للاستغراب — وأيسرها إمكانية التصحيح.

لماذا الطرق والسكك لا تكفي

شبكة الطرق السودانية واسعة على الورق ومقصّرة في الواقع. خارج الخرطوم الكبرى وبعض الشرايين الرئيسية، طرق السودان غير ممهدة وتتوقف موسمياً وسيئة الصيانة ومتزايدة الخطورة. الحرب جعلت الأمور أشد سوءاً: جسور مدمرة، وطرق إمداد مقطوعة، ومستودعات وقود متضررة.

أما السكة الحديد، فقد كانت يوماً العمود الفقري للوجستيات السودانية قبل أن تنهار بسبب إهمال ممتد. الخطوط الرئيسية بين الخرطوم وسنار وكسلا وبور سودان كانت تعمل بأقل من طاقتها بكثير حتى قبل الحرب.

تكاليف شحن البضائع بالطريق في السودان تتراوح بين 0.08 و0.12 دولار للطن-كيلومتر. أما الشحن النهري في أنظمة أفريقية مشابهة فيتراوح بين 0.02 و0.04 دولار — أي أرخص بنسبة 2 إلى 4 أضعاف. وبالنسبة للسلع الزراعية الضخمة — الذرة الرفيعة والسمسم والفول السوداني — المنقولة من مناطق الإنتاج جنوباً ووسطاً نحو الأسواق والموانئ شمالاً، يبلغ الفارق رقماً هائلاً. إنه الفارق بين أن يربح المزارع وألا يربح.

السابقة التاريخية

النقل النهري على النيل ليس فكرة جديدة للسودان. إنه فكرة قديمة هُجرت.

أدار الاستعمار البريطاني خدمة بواخر نيلية تربط الخرطوم بجوبا (جنوب السودان حالياً) منذ مطلع القرن العشرين وحتى ما بعد الاستقلال. كانت بواخر النيل الأبيض شبكة لوجستية حقيقية تنقل الركاب والبريد والمنتجات الزراعية والإمدادات الحكومية على طول النهر. ما جرى لها؟ مزيج من الإهمال وإعطاء الأولوية للطرق البرية خلال العقود اللاحقة للاستقلال.

البنية التحتية الاستعمارية اندثرت في معظمها. لكن النهر لا يزال كما كان.

كيف يبدو نظام نقل نيلي حديث

النواة القابلة للتطبيق لشبكة نقل نهرية سودانية تمتد من الخرطوم جنوباً نحو الحدود مع جنوب السودان — قرابة 800 كيلومتر من النهر الصالح للملاحة يمكنه نقل شحنات ضخمة باستثمار معقول نسبياً.

المحاور الرئيسية: الخرطوم (المحور الوطني)، كوستي (عمق الحزام الزراعي الأوسط على بُعد 320 كم جنوبي الخرطوم)، ربك، رنك (قرب الحدود مع جنوب السودان). هذه مدن موجودة على الضفاف. ما تفتقر إليه هو البنية التحتية للموانئ: مرافق تحميل ومستودعات وتبريد للمنتجات القابلة للتلف.

ما سيُنقل: جنوباً — وقود وبضائع مصنّعة ومواد بناء وأدوية. شمالاً — ذرة وسمسم ومواشي وفول سوداني وقطن من ولايتَي سنار والنيل الأبيض. في كلا الاتجاهين، النهر أرخص من الطريق للبضائع الضخمة.

السفن: البارجات النهرية الحديثة ليست باهظة. سفن ذات قاع مسطح وغاطس ضحل تلائم النيل يمكن شراؤها بين 200 و500 ألف دولار للوحدة. أسطول مؤلف من عشرين بارجة يكفي لتحريك كميات شحن ذات أثر على محور النيل الجنوبي.

المقطع الشمالي: يتضمن القسم الشمالي من الخرطوم شمالاً إلى دنقلا ووادي حلفا شلالات النيل — وهي تحديات تاريخية للملاحة، لكن الحل الأبعد مدى يظل في مرحلة لاحقة. الفرصة الفورية هي جنوبي الخرطوم.

دروس من التجارب العالمية

تتحرك بنغلاديش قرابة 35% من شحنات البضائع المحلية نهرياً رغم صغر مساحتها. استثمرت باستمرار في بنية تحتية للموانئ النهرية عملية ومنتشرة، لا في مشاريع عملاقة. وتتحمل شبكة النقل النهري في جمهورية الكونغو العبء اللوجستي الرئيسي لوسط أفريقيا بكل ثغراتها. والنيل أفضل ملاحيةً من كثير من أحواض الكونغو.

نقاط البداية

لا يحتاج برنامج النقل النهري السوداني أن ينطلق كمشروع وطني ضخم. يمكن البدء بثلاثة أشياء:

أولاً، دراسة جدوى وتوجيه للمسار — تقييم تقني حقيقي لمسار الخرطوم-رنك يحدد المواقع المثلى للتوقف والتكريك اللازم والبنية التحتية في كل محطة، وهو نوع الدراسة التي يموّلها البنك الأفريقي للتنمية والبنك الدولي. غياب هذه البيانات حالياً هو في حد ذاته إخفاق مؤسسي.

ثانياً، إطار تنظيمي. الشحن النهري في السودان منظَّم بشكل فضفاض ولا يُشجَّع. قواعد ترخيص السفن وأُطر المسؤولية وإدارة الموانئ يجب أن تُوجد قبل أن يجرؤ المشغلون الخاصون على الاستثمار.

ثالثاً، مسار تجريبي واحد. الخرطوم إلى كوستي، 320 كيلومتراً، بمرافق ميناء أساسية في كلا الطرفين وأسطول من ست إلى ثماني بارجات. تشغيل لعامين في إطار عام-خاص مختلط. قياس أحجام الشحن والتكاليف والاستخدام. وترك النتائج تتحدث.

العوائق ليست تقنية

النيل موجود بالفعل. لا يحتاج أن يُبنى. والبارجات المطلوبة بسيطة وزهيدة التصنيع وتُنتَج على نطاق واسع في المنطقة. وعمق النهر وعرضه جنوبي الخرطوم كافيان لعمليات شحن ذات أثر دون الحاجة لتكريك واسع النطاق. لا توجد هنا لغزٌ هندسي.

العوائق مؤسسية وتنظيمية وسياسية، وتسميتها بصراحة هو الخطوة الأولى.

غياب مرجعية تنظيمية. ظل النقل النهري في السودان تاريخياً يقع بين الوزارات — نظرياً تحت وزارة النقل لكن دون هيئة ملاحة داخلية مخصصة ولا بند ميزانية ولا كادر متخصص. هذا الغياب يعني ألا أحد مسؤول عن الترويج له، ولا أحد يُصدر تراخيص التشغيل بقواعد واضحة، ولا أحد يصون الإشارات الملاحية على النهر. قبل طلب بارجة واحدة، يحتاج السودان وحدة نقل نيلية داخل وزارة النقل بولاية واضحة وكوادر كافية وتفويض لبناء القطاع.

فجوة الثقة لدى القطاع الخاص. شركات النقل بالشاحنات، حتى في ظروف صعبة، تمتلك نموذج عمل يعمل. أما مشغل النقل النهري المبتدئ من الصفر فيواجه غموضاً حقيقياً: هل ستُصان الموانئ؟ هل سيُجدَّد ترخيصي؟ هل ستتغير القواعد مع تغيّر الحكومة؟ الجواب هو اليقين التعاقدي: اتفاقيات تشغيل طويلة الأجل وتحكيم مستقل وتعريفات شفافة تنطبق على جميع المشغلين. امتياز ملزم قانونياً لأول مسار تجريبي بين الخرطوم وكوستي — مع التزامات حكومية بصيانة الموانئ وعدم التدخل — سيجذب مشغلين لن يُجازفوا بدونه.

ضغط قطاع الشحن البري. تماماً كأعمال المولدات في قطاع الطاقة، تمتلك صناعة الشحن البري في السودان مصالح اقتصادية وسياسية راسخة. النقل النهري الناجح سيُقلل الطلب على شحن الطريق في الممرات الزراعية الشمالية-الجنوبية الرئيسية. تقديم النقل النهري باعتباره منظومة تكاملية لا منافِسة — متخصصة في البضائع الثقيلة السائبة التي لا يريدها شاحنو الطريق أصلاً — يُقلل هذه المقاومة السياسية.

بُعد جنوب السودان. أكثر أجزاء النيل أهمية تجارية للسودان — المقطع المقترب من رنك قرب الحدود — هو أيضاً الأكثر حساسية سياسياً. التجارة بين البلدين تعطلت بفعل نزاعاتهما الخاصة وسياسات عائدات النفط وترسيم الحدود. ممر شحن نيلي يعمل من الخرطوم إلى رنك سيكون أداة قوية لتطبيع العلاقات الاقتصادية وخلق مصالح تجارية مشتركة في استقرار النهر — لكنه يستلزم إرادة سياسية على جانبَي الحدود.

المنطق الأعمق

أزمة النقل في السودان هي في جوهرها أزمة تكلفة. ارتفاع تكاليف النقل يجعل الزراعة غير مجدية، ويرفع أسعار الغذاء في المدن، ويعزل المناطق عن الأسواق. كل دولار يُخفَّض من تكلفة نقل طن ذرة من سنار إلى الخرطوم هو دولار يذهب إلى المزارع لا السائق أو مورد الوقود.

النيل لا يحتاج وقوداً. ولا يتدهور بعد الأمطار. ولا يمر بنقاط تفتيش. يجري كما جرى دائماً، من الجنوب إلى الشمال، حاملاً ما تضعه عليه.

هذا المنطق أعمق مما يبدو للوهلة الأولى. تكاليف النقل ليست مجرد عبء على المزارعين والمستهلكين — إنها تُحدد ما إذا كان التصنيع ممكناً أصلاً. المصنع الذي يدفع 0.12 دولاراً لنقل طن كيلومتراً واحداً بالشاحنة لا يستطيع منافسة مصنع يدفع 0.03 دولار بالنقل النهري. الفارق ليس هامشياً — إنه الفرق بين صناعة قابلة للحياة وأخرى عاجزة عن المنافسة. هذا ما فهمه هاملتون حين دعا في 1791 إلى “التحسينات الداخلية” — الطرق والقنوات والجسور — كأولوية صناعية لا كمشاريع بنية تحتية فحسب. خفض تكاليف النقل هو ما يجعل التصنيع ممكناً.

يؤكد التاريخ هذا المنطق. قناة إيري، التي أكملتها ولاية نيويورك عام 1825، خفّضت تكلفة شحن البضائع من البحيرات الكبرى إلى المدينة بنسبة 95%. دفعت أسعار الأراضي غرب نيويورك إلى الارتفاع، وجعلت الزراعة مجدية في مناطق كانت معزولة، وأشعلت موجة من التصنيع على طول مسارها. بريطانيا التي صنعت الثورة الصناعية كانت قد غطّت نفسها بشبكة من القنوات قبل عقود من السكك الحديدية. لم تكن مصادفة — ولم تكن الثورة الصناعية ستحدث بدونها. تكاليف النقل المنخفضة هي التي تحوّل الموارد الطبيعية إلى صناعة.

يعبر السودان هذا النهر منذ ستة آلاف سنة. آن الأوان للبدء في استخدامه.


قراءة إضافية — مكتبة كنداكة